الجصاص

360

أحكام القرآن

أنا ومن اتبعني ) [ يوسف : 108 ] ، فأمر بالدعاء إلى دين الله تعالى ولم يفرق بين المرتد وبين غيره ، فظاهره يقتضي دعاء المرتد إلى الاسلام كدعاء سائر الكفار ، ودعاؤه إلى الاسلام هو الاستتابة ، وقال تعالى : ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ) [ الأنفال : 38 ] ، وقد تضمن ذلك الدعاء إلى الإيمان ، ويحتج بذلك أيضا في استتابة الزنديق لاقتضاء عموم اللفظ له ، وكذلك قوله : ( إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ) لم يفرق فيه بين الزنديق وغيره ، فظاهره يقتضي قبول إسلامه . فإن قيل : قوله تعالى : ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ) [ الأنفال : 38 ] لا دلالة فيه على زوال القتل عنه لأنا نقول هو مغفور له ذنوبه ويجب مع ذلك قتله كما يقتل الزاني المحصن وإن كان تائبا ويقتل قاتل النفس مع التوبة . قيل له : قوله تعالى : ( إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ) [ الأنفال : 38 ] يقتضي غفران ذنوبه وقبول توبته ، لو لم تكن مقبولة لما كانت ذنوبه مغفورة ، وفي ذلك دليل على صحة استتابته وقبولها منه في أحكام الدنيا والآخرة . وأيضا فإن قتل الكافر إنما هو مستحق بإقامته على الكفر ، فإذا انتقل عنه إلى الإيمان فقد زال المعنى الذي من أجله وجب قتله وعاد إلى حظر دمه ، ألا ترى أن المرتد ظاهرا متى أظهر الاسلام حقن دمه ؟ كذلك الزنديق . وقد روي عن ابن عباس في المرتد الذي لحق بمكة وكتب إلى قومه . سلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة ؟ فأنزل الله : ( كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم ) [ آل عمران : 86 ] إلى قوله تعالى : ( إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ) [ آل عمران : 89 ] فكتبوا بها إليه ، فرجع فأسلم ، فحكم له بالتوبة بما ظهر من قوله ، فوجب استعمال ذلك والحكم له بما يظهر منه دون ما في قلبه . وقول من قال : إني لا أعرف توبته إذا كفر سرا ، فإنا لا نؤاخذ باعتبار حقيقة اعتقاده لأن ذلك لا نصل إليه ، وقد حظر الله علينا الحكم بالظن بقوله تعالى : ( اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ) [ الحجرات : 12 ] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إياكم والظن فإنه أكذب الحديث " ، وقال تعالى : ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) [ الإسراء : 36 ] ، وقال : ( إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن ) [ الممتحنة : 10 ] ، ومعلوم أنه لم يرد حقيقة العلم بضمائرهن واعتقادهن ، وإنما أراد ما ظهر من إيمانهن بالقول وجعل ذلك علما ، فدل على أنه لا اعتبار بالضمير في أحكام الدنيا وإنما الاعتبار بما يظهر من القول ، وقال تعالى : ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ) [ النساء : 94 ] وذلك عموم في جميع الكفار ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد حين قتل الرجل الذي قال لا إله إلا الله ، فقال : إنما قالها متعوذا ، قال : " هلا شققت عن قلبه ! " . وروى الثوري عن أبي إسحاق